المناوي

157

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

( 97 ) أبو عبد اللّه التونسي « * » كان متحقّقا بالورع ، كثير الخوف والفزع ، عابدا زاهدا ، فقيها مجتهدا ، انقطع عن أهل تونس بموضع خارج تلمسان بمسجد يعبد اللّه فيه . قال ابن العربي « 1 » رضي اللّه عنه : بينما هذا العبد الصالح يمشي بمدينة تلمسان ، إذ لقيه خالنا يحيى بن يغان رضي اللّه عنه ملك تلمسان ، وهو في خوله وحشمه ، فقيل له : هذا أبو عبد اللّه التّونسي ، عابد وقته ، وزاهد عصره ، فمسك لجام فرسه ، وسلّم عليه ، فردّ ، وكان على الملك ثياب فاخرة ، فقال له : يا شيخ ، هذه الثّياب التي أنا لابسها تجوز الصلاة فيها ؟ فضحك ، فقال له الملك : ممّ تضحك ؟ قال : من سخف عقلك وجهلك بنفسك ، وحالك ، ما لك شبيه عندي إلّا الكلب يتمرّغ في دم الجيفة ويأكلها ، وعند البول يرفع رجله ، وأنت وعاء ملئ حراما ، وتسأل عن الثّياب ، ومظالم العباد في عنقك ، وأنت مطالب بها ومسؤول عنها ، فبكى الملك ، ونزل عن دابّته ، وخرج عن ملكه ، ونزع ثيابه ، ولزم خدمة الشّيخ ، فأضافه الشّيخ ثلاثة أيّام ، ثم جاء بحبل ، وقال : أيّها الملك ، فرغت أيّام الضيافة ، فقم واحتطب ، فكان يأتي بالحطب على رأسه ، ويدخل به السّوق ، والناس ينظرون إليه ، ويبكون ، فيبيعه ويأخذ منه قوته ، ويتصدّق بالباقي ، ولم يزل هذا دأبه في بلده حتّى درج إلى رحمة اللّه تعالى ، ودفن خارج تربة الشّيخ ، وقبره بها ظاهر يزار ويحترم ويتبرّك به . وكان الشيخ إذا جاءه الناس يلتمسون منه الدّعاء يقول لهم : التمسوا الدعاء من يحيى بن يغان ، فإنّه ترك ملكه ، وزهد في الدنيا بأسرها ، ولو ابتليت بما ابتلي به من الملك ربّما لم أزهد . قال بعض الملوك في حال نفسه وقد تزهّد وانقطع إلى اللّه تعالى « 2 » :

--> * الفتوحات المكية 2 / 18 . ( 1 ) الفتوحات المكية 2 / 18 . ( 2 ) الأبيات لأبي وهب الفاضل العباسي ، نفح الطيب 3 / 207 مع اختلاف في -